الرئيسية / سلسلة التفسير الأثري / إتحاف أهل العصر بتفسير سورة النصر
إتحاف أهل العصر بتفسير سورة النصر
إتحاف أهل العصر
بتفسير سورة النصر
للعلامة المحدث
أبي عبد الرحمن فوزي بن عبد الله الأثري
غفر الله له، ولشيخه، وللمسلمين
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله..
)يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون( [آل عمران: 102].
)يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا (1) ( [النساء: 1].
)يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (71) ( [الأحزاب: 70-71].
أما بعد،
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد r، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
* فإن الله عز وجل: قد أكرم هذه الأمة الإسلامية بكتاب عظيم، فيه نبأ ما قبلها، وخبر ما بعدها، من ابتغى الهدى في غير هذا الكتاب الكريم؛ فقد ضل؛ فهو حبل الله المتين، والذكر المبين، والصراط القويم. جمع الله تعالى فيه ما يحتاج إليه من أخبار الأولين والآخرين، ففيه المواعظ، والحكم البالغة، والآداب المتنوعة، والحجج الساطعة، والبراهين الظاهرة ([1]).
قال الله جل وعلا: )إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (9) ( ([2]).
وقال عز اسمه: )يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين (57) ( ([3]).
* وقد هيأ الله تعالى لهذا الكتاب أئمة فحولا، فاعتنوا بحفظه وتعلمه، وتعليمه وتفسيره، وبذل الغالي والنفيس في سبيل إيصاله إلى جميع الأمم؛ لإخراجها من دياجير الظلمات إلى النور ([4]).
قال تعالى: )قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15) يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم (16) ( ([5]).
* ومما ينبغي أن يعلم أن العناية بتفسير القرآن الكريم بالتكرار، والمراجعة، والبحث عن معانيه آناء الليل، وأطراف النهار؛ علم القرآن كله... لأن لا سبيل لنا إلى معرفة أحكام القرآن الكريم؛ إلا بمعرفة علم تفسير القرآن...؛ لأنه علم يفهم به كتاب الله تعالى المنزل على نبيه محمد r... ويوصل به إلى فهم الأحكام الشرعية: الفهم الصحيح...
* وهذا التفسير: لسورة النصر الذي نتقدم به اليوم إلى أهل العصر، هو في أصله جزء من تفسيري للقرآن المختصر، رأينا المبادرة إلى نشره بصورة كتاب مستقل تعميما لفوائده، ونشرا للعلم؛ وذلك أن التعاليم السامية التي تشتمل عليها سورة النصر في القرآن الكريم، هي بمثابة حجر الأساس لحياة المسلمين...، وأنه لا بد أن يكون على معرفة بها كل فرد من المسلمين.
* وإن كل طالب وناشد للحق يدرك من هذا الكتاب حقيقة ناصعة... هي أننا إذا أردنا اليوم؛ أن ننتصر في الدنيا على عدونا في الخارج والداخل، فلا بد لنا أن نستعين لفهم القرآن بتلك المجموعة القيمة، لأحاديث الرسول r، واجتهادات السلف الصالح في التفسير التي لا تزال محفوظة مدونة في الكتب...، وأنه من الصعب بدون ذلك أن نصل إلى أعماق أحكام القرآن والسنة...، ثم يبذل الوسع من الجهد في تطبيقها في واقعنا المعاصر على فهم السلف الصالح...
* ولا يخفى أن النصر إنما يكون بالتمسك الصادق بالوحيين الشريفين: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله r؛ بفهم سلف الأمة الأوائل.
كما: قال أبو واقد الليثي رضي الله عنه؛ أن رسول الله r قال ونحن جلوس على بساط: (إنها ستكون فتنة، قالوا: كيف نفعل يا رسول الله؟ قال: فرد يده إلى البساط، فأمسك به، قال: تفعلون هكذا، وذكر لهم رسول الله r يوما أنها ستكون فتنة، فلم يسمعه كثير من الناس، فقال معاذ بن جبل: تسمعون ما يقول رسول الله r؟ قالوا: ما قال؟ يقول: إنها ستكون فتنة، قالوا: فكيف لنا يا رسول الله؟ أو كيف نصنع؟ قال: ترجعون إلى أمركم الأول). ([6]).
وقال رسول الله r: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم...)([7]).
وفي رواية عند مسلم: (خير أمتي القرن الذين يلوني...).
* فهذا سبيل الرجوع وطريق العودة... التمسك بما كان عليه أهل القرون الثلاثة الفاضلة...، فهم ثابتون في أصول الدين وفروعه، على ما أنزله الله تعالى، وأوحاه على عبده ورسوله محمد r ...
* وقد شرع الله سبحانه وتعالى سبلا من سلكها منحه الله تعالى صفة النصر، والثبات في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: )يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) ( ([8]).
قال الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله: (ولكي ندلل على صحة ما ذهبنا إليه في هذا المنهج، نعود إلى كتاب الله الكريم؛ ففيه آية واحدة تدل على خطأ كل من يخالفنا فيما نعتقده ونجزم به أن البداية تكون: بالتصفية والتربية.
يقول تعالى: )إن تنصروا الله ينصركم(؛ هذه هي الآية المقصودة، وهي التي أجمع المفسرون على أن معنى نصر الله – فيها – إنما هو العمل بأحكامه سبحانه...
* فإذا كان نصر الله لا يتحقق إلا بإقامة أحكامه، فكيف يمكننا أن ندخل في الجهاد عمليا ونحن لم ننصر الله – وفق ما اتفق عليه المفسرون –؟، لا بد إذن من تصحيح العقيدة، وتربية النفس...
* ولا تكاد تجد أحدا في المسلمين يقوم بهذا سوى دعاة الكتاب والسنة، وأصحاب منهج السلف – أهل الحديث –؛ فهم الذين يضعون النقط على الحروف...
* وهم وحدهم الذين ينصرون الله تعالى بما أمرهم به، من تصفية وتربية توجد الإنسان المسلم الصحيح...
* وهم وحدهم – ومن سلك نهجهم – الذين يمثلون الفرقة الناجية من النار، من الفرق الثلاث والسبعين.
* ولهذا أعود فأقول: ليس من طريق للخلاص من الواقع الأليم الذي تعيشه الأمة سوى الكتاب والسنة، وانتهاج التصفية والتربية في سبيل الرجوع إليهما...
* وهذا يستدعي المعرفة «بعلم الحديث»، وتمييز الصحيح من الضعيف؛ كي لا نبني أحكاما غالطة، كتلك التي وقع فيها المسلمون بسبب كثرة اعتمادهم على الأحاديث الضعيفة...
* إن أكثر الدعاة المسلمين يخطئون خطأ بينا حين يغفلون مبدأنا هذا، وحين يقولون: إن الوقت ليس وقت التصفية والتربية!، وإنما هو وقت التكتل والتجميع!.
* إذ كيف يتحقق هذا التجميع والخلاف قائم في الأصول والفروع!.
* إنه الضعف والتخلف الذي استشرى في المسلمين... ودواؤه الوحيد يتلخص فيما أسلفت في العودة السليمة إلى الإسلام الصحيح؛ وذلك من خلال تطبيق منهجنا الدقيق هذا في التصفية والتربية).([9]) اهـ.
* وهذه سورة «النصر»، هي الأساس في تعليم الدعاة طريقهم إلى الله تعالى، وسبيلهم في الدعوة؛ فإن الله تعالى قد شرع لعباده بما أنزل من كتابه، وما كان من بيان رسوله r، ما فيه استنارة عقولهم، وزكاء نفوسهم، واستقامة أعمالهم.
* والتفسير: هو علم عظيم ينبغي ألا يخوض فيه إلا العارف بمدارك الكتاب والسنة، الفاهم حقيقة لغة العرب، المطلع على ناسخ القرآن، وأحكامه وآدابه([10]).
ولكن الواقع الذي نعايشه مع كتب التفسير هو: كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في «الفتاوى» (ج6 ص389): (وهذه الكتب التي يسميها كثير من الناس كتب التفسير، فيها كثير من التفسير منقولات عن السلف مكذوبة عليهم، وقول على الله تعالى، ورسوله r بالرأي المجرد، بل بمجرد شبهة قياسية، أو شبهة أدبية، ومعلوم أن في كتب التفسير من النقل، عن ابن عباس من الكذب الشيء الكثير... فلا بد من تصحيح النقل لتقوم الحجة)... اهـ.
* وسوف أخرج إن شاء الله تفسيرا جامعا؛ لأقوال المفسرين، يجمع صحيح المأثور... واختيار أصح، وأرجح الأقوال...، وفيه: الوضوح والبيان، أسميته «الجواهر الحسان في تفسير آيات القرآن»، وها أنا أفرد منه تفسير سورة النصر برسالة خاصة؛ أسميتها: «إتحاف أهل العصر بتفسير سورة النصر»، وقد حرصت فيها أن تكون سهلة الأسلوب، واضحة في معناها، موجزة بعيدة عن بسط خلاف المفسرين، واكتفيت بما ترجح لي من كلامهم...
وهي: سورة جليلة القدر، تتضمن حقائق كبيرة من حقائق الشريعة... التي تفتح للقلب والعقل آفاقا عالية، وآمادا بعيدة، وتثير في النفس خواطر عميقة، ومعاني كبيرة على قصرها... ما يجعل دراستها وتدبرها حقا على كل مؤمن، ويجعل منها منهجا للمسلمين في كل زمان ومكان...
* وتبرز معاني هذه السورة في وقتنا الحاضر؛ أنها تعطي علاجا ناجحا لأصحاب النفوس المريضة – الجماعات الحزبية – التي ابتليت بحب النصر... دون اهتمام لطريقة النصر الشرعية الصحيحة؛ كما أسلفنا.
* على هذا يطيب لي ويسعدني أن أقدم لإخواننا المسلمين هذه الرسالة ليستفيدوا منها، ويراجعوا الصواب من قريب.
هذا: وأبتهل إلى الله تعالى العلي القدير، أن يتقبل مني هذا الجهد المتواضع في خدمة كتاب الله تعالى، ويجعله خالصا لوجهه الكريم، ويوفقني لما يحبه ويرضاه، ولمزيد من خدمة كتابه وسنة رسوله، إنه نعم المولى ونعم النصير.
وصلى الله على نبينا ورسولنا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أبو عبد الرحمن
فوزي بن عبد الله الأثري
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
سورة النصر
مدنية، وآياتها ثلاث آيات
قال تعالى: )إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا (2) فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3) (.
معنى غريب كلمات الآيات:
(1) نصر الله: النصر: العون أو الإعانة على تحصيل المطلوب...، يقال نصره على عدوه ينصره نصرا؛ أي: أعانه. وهو: الفتح الأكبر، والنصر المؤزر، على أهل الشرك في الخارج، وأهل البدع في الداخل.
(2) والفتح: الفصل بين الفريقين المتحاربين بانتصار؛ أحدهما: على الآخر، والمراد به هنا: فتح مكة.
(3) دين الله: أي الإسلام. وأضافه تعالى إليه تشريفا وتعظيما؛ مثل: بيت الله، وناقة الله.
(4) أفواجا: أي جماعات كثيفة؛ كأهل مكة، والطائف، واليمن، وسائر قبائل العرب. جمع: فوج، وهو الجماعة والطائفة.
(5) فسبح: أي نزه الله تعالى عن الشريك، والنقائص، والعيوب.
(6) بحمد ربك: أي حامدا له على ما آتاك من نعمة الفتح وغيره.
والحمد: هو الثناء عليه بالكمال والجميل: من جهة التعظيم والمحبة، من نعمة وغيرها.
الحمد الفعلي: هو الإتيان بالأعمال البدنية ابتغاء لوجه الله تعالى.
الحمد القولي: هو حمد اللسان، وثناؤه على الحق بما أثنى به على نفسه، على لسان أنبيائه ([11]).
(7) واستغفره: أي أسأله أن يغفر لك ولمن اتبعك... فهو طلب مغفرته سبحانه وتعالى. والمغفرة: هي وقاية شر الذنب، لا مجرد ستره؛ فهي: ستر الله تعالى على عبده ذنوبه، مع محوها، والتجاوز عنها، وهذا غاية ما يريد العبد.
(8) توابا: أي: كثير القبول؛ لتوبة عباده.
شرح كلمات الآيات:
(1) )إذا جاء نصر الله والفتح(، هذا الخطاب للنبي r؛ أي: إذا رأيت نصر الله تعالى لدين الحق، وتحقق لك عونه وتأييده على من عاداك، وهم قريش، وانهزام أهل الشرك وخذلانهم، وفتح الله بينك، وبين قومك، بفتح مكة،
وجعل الغلبة لك عليهم، وإعزام أمرك، وإعلاء كلمتك ([12]).
وذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في «تفسير القرآن» (ج14 ص494)؛ أن المراد: بالفتح، ها هنا: فتح مكة: قولا واحدا.
(2) )ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا (2) (؛ أي: أبصرت الناس من صنوف العرب، وقبائلها يدخلون في دين الله تعالى الذي بعثك به، وينضوون تحت لوائك، جماعات فوجا بعد فوج، بعد أن كانوا في بادئ الأمر يدخلون واحدا واحدا، واثنين اثنين، فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام جماعات، لا أفرادا ([13]).
(3) )فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3) (؛ أي: إذا تم لك كل ذلك فنزه ربك وقدسه عن أن يهمل الحق، ويدعه للباطل يتغلب عليه، وعن أن يخلف وعده الذي وعدك به، بأن يجعل كلمتك العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، ويتم نعمته عليك ولو كره الكافرون ([14]).
وليكن تنزيهه بحمده على ما أولاك من نعم، وشكره على ما منحك من خير، والثناء عليه بما هو له أهل؛ فإنه هو القادر الذي لا يغلبه غالب، والحكيم الذي إذا أمهل الكافرين، فلن يضيع أجر العاملين.
(واستغفره)؛ أي: واطلب أيضا من الله المغفرة لك تواضعا لله، واستقصارا لعملك، وتعليما لأمتك.
(إنه كان توابا)؛ أي: إنه سبحانه كثير القبول لتوبة عباده؛ لأنه يربي النفوس بالمحن، فإذا وجدت الضعف أنهضها إلى طلب القوة، وشدد عزيمتها بحسن الوعد، ولا يزال بها حتى تبلغ مرتبة الكمال.
قلت: فإذا أردت يا أخي المسلم -وفقك الله- في هذا الزمان إقبال الناس على دين الله الحق، وأردت الفتح والنصر من الله تعالى على أعدائك من الخارج من اليهود والنصارى، وغيرهم، وعلى أعدائك من الداخل من: «الإخوان المسلمين» الحزبيين وغيرهم؛ فعليك أن تسبح ربك وتشكره وتحمده، وتصلي له وتستغفره، وتنزع عما كان من خواطر، ووساوس النفس وقت الشدة والمحنة، فلن تعود الشدائد والمحن تضعف نفوس المخلصين، من عباده ما داموا على السنة، والحديث، والألفة.
قلت: لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وهذه القاعدة: نافعة جدا، بمراعاتها يحصل للعبد خير كثير، وعلم غزير، وبإهمالها وعدم ملاحظتها يفوته علم كثير، ويقع في الغلط، والارتباك الخطير. وهذا الأصل اتفق عليه المحققون من أهل الأصول وغيرهم ([15]).
قلت: فمن كان مثل ما كان عليه النبي r وأصحابه رضي الله عنهم؛ فله الفتح، والنصر من الله تعالى سابقا ولاحقا.
* فدل هذا على أنه مطلوب من آخر هذه الأمة أن يتبعوا منهج الرسول r وما جاء به، ومنهج السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار الذي هو منهج الرسول r، ومن تخلف عن هذا المنهج؛ فإنه لن يحصل على هذا الفتح والنصر، ولن يكون مع السابقين الأولين، إنما يكون مع الضالين المخالفين. اللهم سلم سلم.
معنى الآيات الإجمالي:
* هذه الآيات الثلاث المباركات نزلت في أخريات أيام الرسول r، وهي تحمل علامة للنبي r، على قرب أجله r.
عن ابن عباس ﭭ قال: (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟، فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم قال: ما تقولون في قول الله تعالى: )إذا جاء نصر الله والفتح(، فقال بعضهم: أمرنا بحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟، فقلت: لا، قال: فما تقول؟، قلت: هو أجل رسول الله r أعلمه له، قال: )إذا جاء نصر الله والفتح( – وذلك علامة أجلك – )فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا(، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول) ([16]).
فقوله تعالى: )إذا جاء نصر الله(؛ أي: لك يا رسولنا فأصبحت تنتصر على أعدائك في كل معركة تخوضها معهم وجاءك الفتح، فتح مكة ففتحها الله عليك، وأصبحت دار إسلام بعد: أن كانت دار كفر: )ورأيت الناس(، من سكان اليمن وغيرهم: )يدخلون في( دينك، الدين الإسلامي: )أفواجا(، وجماعات جماعة بعد أخرى بعد أن كانوا يدخلون فرادى واحدا واحدا وهم خائفون؛ إذا تم هذا ورأيته: )فسبح بحمد ربك(؛ شكرا له على نعمة النصر والفتح ودخول الناس في دينك وانتهاء دين المشركين الباطل: )واستغفره(؛ أي: اطلب منه المغفرة: )إنه كان توابا (3) (؛ أي: إن الله تعالى الذي أمرك بالاستغفار توبة إليه كان توابا على عباده يقبل توبتهم، فيغفر ذنوبهم ويرحمهم.
* وسورة النصر آخر سورة من القرآن نزلت.
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: (قال لي ابن عباس: يا ابن عتبة: أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت؟، قلت: نعم: )إذا جاء نصر الله والفتح( قال: صدقت) ([17]).
ﭑ ﭑ ﭑ
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
الخاتمة الأثرية:
ولا ريب أن من أعز مقاصد المؤمنين وأشهى مطالبهم، وغاية نفوسهم رؤية دينهم ظاهرا، وكتابهم مهيمنا، وعلو راية التوحيد خفاقة مع قهر أهل الكفر وإذلالهم، وأهل البدع وخذلانهم.
* إن هذا الهدف الأعظم، وتلك الأمنية السامية لا تتحقق عن طريق الدعاوى، والأماني؛ بل عن طريق البحث والتنقيب عن سنن الله تعالى في النصر، تلك السنن الربانية التي قدرها –تبارك وتعالى– لنصر حزبه الموحدين، وخذلان حزب الشيطان اللعين، فيجب علينا معشر المؤمنين حتى نحقق صدق الدعوة، ونقيم عليها البينة العادلة، أن نتعرف على تلك السنن الإلهية...
* إن دين الله –الذي اصطفاه لنا ولا يعبد إلا به– يقتضي أن يكون جل شأنه حاكما لا معقب لحكمه... وأن يوحد بالعبادة... وأن يفرد بالولاء... والبراءة من الشرك والبدع.
قال تعالى: )والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب( ([18]).
وقال تعالى: )ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت( ([19]).
وقال تعالى: )إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله( ([20]).
وقال تعالى: )فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون (216) ( ([21]).
* ومن هنا وجب إعداد العدة، والأخذ بالسنن الربانية لتحقق النصر المأمول، مع الحذر الشديد من العوائق الخارجية والداخلية، والأمراض الفتاكة التي تفتك بجسد الأمة...
* وإن الله عز وجل بعلمه الشامل، وحكمته البالغة قدر وقضى أن يكون الصراع بين الحق والباطل موجودا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها...
* ومن المعلوم أن الخصوم في حروبها تلجأ إلى ناصر وولي ومعين، تحتمي بحماه، وتقهر بقوته وتعتز بعزه؛ فالله جل شأنه لم يرتض لأوليائه ناصرا سواه، ولا وليا دونه، ولا معينا عداه.
قال تعالى: )الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون( ([22]).
وقال تعالى: )ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم (11) ( ([23]).
* ومن هنا وجب علينا معشر المؤمنين، وأمة التوحيد: أن نتوكل على مولانا وناصرنا، ونعي آثار أسمائه الحسنى وصفاته العلا، فنتعبد لله بها، وتظهر في القلوب آثارها فتطمئن لوعد الله ونثق بنصره، حتى ولو صال الباطل وانتفش في وقت من الأوقات، فإن المؤمن يوقن أن ما قدره الله هو الخير، ويحوي في طياته الرحمة والنعمة، وإن كان ظاهره الألم والمشقة، ذلك أن رحمة الله سبحانه قد سبقت غضبه، وأن الشر ليس إلى الله عز وجل.
* وقد قضى الله سبحانه وتعالى؛ بأن البقاء للحق؛ لأنه الأصل: الذي قامت عليه السماوات والأرض، وأما الباطل فهو طارئ وزاهق.
قال تعالى: )وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا( ([24]).
وقال تعالى: )فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال( ([25]).
* ولكن حكمة الله عز وجل البالغة اقتضت، أن يوجد الباطل لاختبار أوليائه، وإظهار آثار أسمائه الحسنى وصفاته العلا، وليبلي المؤمنين بلاء حسنا، وإلا لو شاء الله عز وجل لم يكن هناك كفر، ولا باطل.
قال تعالى: )ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض( ([26]).
* ولا بد لمن يريد نصرة دين الله عز وجل، والتمكين له في الأرض أن يتعرف على سنن الله تعالى في نصرة دينه، وبدون هذه المعرفة لن يتم الاهتداء إلى الطريق، وبالتالي ستضيع الأوقات، والجهود ولما يأت نصر الله، ومن هذه السنن ما ورد في الآيات التالية من كتاب الله تعالى.
قال تعالى: )وكان حقا علينا نصر المؤمنين( ([27]).
وقال تعالى: )إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم( ([28]).
وقال تعالى: )وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم( ([29]).
* إن نصر الله عز وجل لدينه، ولعباده المؤمنين آت لا محالة، وإن التمكين للإسلام في الأرض سيتم بعز عزيز، أو بذل ذليل، هذا وعد الله سبحانه، والله لا يخلف الميعاد...
قال تعالى: )إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد( ([30]).
وقال تعالى: )وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا( ([31]).
وقال تعالى: )كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز( ([32]).
وقال تعالى: )ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم المنصورون (172) وإن جندنا لهم الغالبون (173) ( ([33]).
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في «تفسير القرآن» (ج6 ص591)؛ في قوله: )كتب الله لأغلبن أنا ورسلي(: (أي: قد حكم وكتب في كتابه الأول وقدره الذي لا يخالف، ولا يمانع ولا يبدل بأن النصرة له ولكتابه ورسله وعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، فـ: )فاصبر إن العاقبة للمتقين(؛ كما قال تعالى: )إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (51) يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار(.
وقال ههنا: )كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز(؛ أي: كتب القوي العزيز أنه الغالب لأعدائه وهذا قدر محكم وأمر مبرم أن العاقبة والنصرة للمؤمنين في الدنيا والآخرة). اهـ.
* ومما سبق يتبين لنا أهمية اليقين بوعد الله عز وجل في نصرة أوليائه، وأنه آت لا محالة، فإذا تأخر نصر الله عز وجل، واشتد الكرب على المؤمنين بتسليط أعدائهم عليهم؛ فإن هذا لا يعني عدم تحقق وعد الله وعدم مجيء نصره سبحانه، ولكن لتأخره حكم وأسباب؛ فبدلا من اليأس من وعد الله عز وجل بالنصر يجب أن يتوجه البحث عن أسباب تأخره التي يجب أن يتوجه الجهد لإزالتها، وإيجاد المناخ والأسباب التي تهيئ لنصر الله عز وجل.
وقال تعالى: )إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم( ([34]).
* فقضى الله عز وجل أنه لا يغير أحوال قوم أو أمة حتى يبدأوا هم فيغيروا ما بأنفسهم ويصلحوا أحوالهم، فيغير الله ما بهم، ويأخذ بأيديهم ويعينهم...
* وهذا يعني: أنه متى تأخر نصر الله عز وجل مع الحاجة الماسة إليه فإن هناك أسبابا في تأخره ولا شك، ومن أهم هذه الأسباب أن الذين يبحثون عن نصر الله تعالى، لم يغيروا ما بأنفسهم بعد، وحينئذ يجب أن تتوجه الجهود إلى العمل الجاد في التغيير الذي يبدأ من داخل النفس، ومن داخل الصف المسلم حتى يغير الله عز وجل ما بنا وتتهيأ الأسباب الجالبة لنصر الله تعالى.
قال تعالى: )ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم (53) ( ([35]).
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في «تفسير القرآن» (ج1 ص333): (يخبر تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه؛ بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد؛ إلا بسبب ذنب ارتكبه لقوله تعالى: )إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم().اهـ.
* إذا فحالنا اليوم لن يغيره الله حتى نغير ما بأنفسنا من الشرك، والبدع، والمعاصي بشتى الصور، الظاهرة والباطنة...
* فإذا لم يغيروا ما بأنفسهم من باطل وفساد، فإن الله لا بد أن يأتي نصره على أيدي أناس آخرين... تبديل من رفضوا تغيير ما بأنفسهم وواقعهم بجيل يحبهم الله عز وجل ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على أهل الباطل... يجاهدون في سبيل اللهبالسيف واللسان، والسنان لا يخافون في الله لومة لائم، فيحققون بذلك أسباب النصر في الخارج والداخل، فينزل الله عز وجل عليهم نصره ويشرفهم على أهل الكفر في الخارج... وعلى أهل البدع في الداخل.
قال تعالى: )وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم( ([36]).
وقال تعالى: )يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم( ([37]).
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في «تفسير القرآن» (ج2 ص72): (يقول تعالى مخبرا عن قدرته العظيمة أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله يستبدل من هو خير لها منه وأشد منعة وأقوم سبيلا؛ كما قال تعالى: )وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم(، وقال تعالى: )إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (19) وما ذلك على الله بعزيز (20) (؛ أي: بممتنع ولا صعب). اهـ.
هذا آخر ما وفقني الله سبحانه وتعالى إليه، سائلا ربي جل وعلا أن يكتب لي به أجرا، ويحط عني فيه وزرا، وأن يجعله لي عنده يوم القيامة ذخرا... وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
فهرس الموضوعات
|
الرقم |
الموضوع |
الصفحة |
|
1) |
المقدمة.................................................................................................... |
5 |
|
2) |
معنى غريب كلمات الآيات.................................................................. |
13 |
|
3) |
شرح كلمات الآيات.............................................................................. |
14 |
|
4) |
الخاتمة الأثرية........................................................................................
|
20 |
أخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» (ج3 ص221) من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير قال: حدثنا الليث بن سعد، عن عياش بن عياش القتباني، عن بكير بن الأشج، عن بسر بن سعيد حدثه أن أبا واقد رضي الله عنه به.
قلت: وهذا سنده صحيح.
وأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (ج3 ص249) وفي «المعجم الأوسط» (ج8 ص294) من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد بهذا الإسناد.
وأورده الهيثمي في «الزوائد» (ج7 ص303) ثم قال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عبد الله بن صالح، وقد وثق وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح.
([7]) أخرجه البخاري في «صحيحه» (ج5 ص191)، ومسلم في «صحيحه» (ج4 ص1963) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
([12]) انظر «تفسير سورة النصر» لابن رجب (ص53)، و«تفسير القرآن» للمراغي (ج30 ص58)، و«محاسن التأويل» للقاسمي (ج17 ص281)، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (ج20 ص230)، و«أنوار التنزيل وأسرار التأويل» للبيضاوي (ج2 ص628)، و«تفسير القرآن» لابن عبد السلام (ج3 ص500)، و«تيسير الكريم الرحمن» للسعدي (ج7 ص682)، و«تفسير القرآن» لشيخنا ابن عثيمين (ص343)، و«جامع البيان» للطبري (ج30 ص216)، و«تفسير القرآن» لابن كثير (ج14 ص492)، و«تفسير القرآن» لمجاهد (ص758)، و«المحرر الوجيز» لابن عطية (ج8 ص705)، و«معالم التنزيل» للبغوي (ج8 ص576)، و«تفسير القرآن» للسمعاني (ج6 ص296).
([13]) انظر: «تفسير القرآن» للمراغي (ج3 ص258)، و«أنوار التنزيل وأسرار التأويل» للبيضاوي (ج2 ص628)، و«تيسير الكريم الرحمن» للسعدي (ج7 ص628)، و«أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن» للشنقيطي (ج9 ص591)، و«التفسير المنير» للزحيلي (ج30 ص450)، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (ج20 ص230)، و«روح المعاني» للألوسي (ج30 ص255)، و«تفسير سورة النصر» لابن رجب (ص45)، و«تفسير القرآن» لشيخنا ابن عثيمين (ص344)، و«الكشف والبيان» للثعلبي (ج10 ص320)، و«تفسير القرآن» لابن كثير (ج14 ص492)، و«جامع البيان» للطبري (ج30 ص216).
([14]) انظر «تفسير القرآن» لشيخنا ابن عثيمين (ص345)، و«تفسير القرآن» للسمعاني (ج6 ص296)، و«تفسير القرآن» لابن عبد السلام (ج3 ص501)، و«الدر المنثور» للسيوطي (ج6 ص408)، و«تفسير المراغي» (ج30 ص259)، و«محاسن التأويل» للقاسمي (ج17 ص281)، و«تيسير الكريم الرحمن» للسعدي (ج7 ص682)، و«تفسير الطبري» (ج30 ص216)، و«تذكرة الأريب في تفسير الغريب» لابن الجوزي (ج2 ص319)، و«تفسير سورة النصر» لابن رجب (ص51)، و«الكشف والبيان» للثعلبي (ج10 ص320)، و«معالم التنزيل» للبغوي (ج8 ص576)، و«روح المعاني» للآلوسي (ج30 ص255)، و«أضواء البيان» للشنقيطي (ج9 ص591)، و«المحرر الوجيز» لابن عطية (ج8 ص705).