القائمة الرئيسة
الرئيسية / ينابيع الأنهار في فقه الكتاب والسنة والآثار / حلية الأبرار في بدعية التعريف عشية يوم عرفة في الأمصار

2026-09-21

صورة 1
حلية الأبرار في بدعية التعريف عشية يوم عرفة في الأمصار

 

 

 

 

حلية الأبرار

في بدعية التعريف

عشية يوم عرفة في الأمصار

 

 

دراسة أثرية منهجية في بدعية التعريف عشية يوم عرفة في الأمصار، وبيان عدم ثبوته عن أحد من الصحابة، أو أحد من التابعين، وتحرير أقوال مذاهب الأئمة الأربعة في المسألة.

 

 

تأليف:

أبي الحسن علي بن حسن بن علي العريفي الأثري

غفر الله له، ولشيخه، وللمسلمين

 

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ

ذكر الدليل

على بدعية التعريف بعشية يوم عرفة في الشريعة المطهرة

 

* تعريف التعريف:

مصدر الفعل: «عرف»، «يعرف»؛ يعني: الوقوف بعرفة.

يقال: عرف الناس، إذا شهدوا عرفات، وهو المعرف، للموقف.([1])

قلت: وهذا هو المعنى اللغوي، والشرعي، ولكن استخدمت هذه الكلمة على سبيل المجاز.

* في تشبه غير الحجاج في الأعصار؛ بمن في الحج في عرفة في الدعاء، وغيره.

* أقوال العلماء في تعريف التعريف:

قال الحافظ النووي الشافعي / في «المجموع شرح المهذب» (ج8 ص117): (في التعريف بغير عرفات وهو: الاجتماع المعروف في البلدان بعد العصر يوم عرفة). اهـ

قال الفقيه المطرزي الحنفي / في «المغرب في ترتيب المعرب» (ص312): (وعرفوا تعريفا: وقفوا بعرفات، وأما التعريف المحدث وهو: التشبه بأهل عرفة في غيرها من المواضع وهو أن يخرجوا إلى الصحراء فيدعوا ويتضرعوا). اهـ

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» (ص310): (فأما قصد الرجل المسلم مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر فهذا هو التعريف في الأمصار الذي اختلف العلماء فيه).اهـ

قلت: فكما ترى أخي القارئ الكريم أن أهل العلم اختلفوا في حد التعريف، وهذا الاختلاف يرجع إلى تنوع صور التعريف.

* حكم التعريف في الأمصار:

اعلم رحمك الله تعالى: أن التعريف في الأمصار لم يثبت عن النبي r.

وترك النبي r سنة؛ كفعله.

* فإذا ترك النبي r حكما من الأحكام، وجب علينا تركه، والاقتداء به r، لأن ذلك من السنة التركية في الشريعة المطهرة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «اقتضاء الصراط المستقيم» (ج2 ص615): (فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرا، محضا، أو راجحا: لكان السلف أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله r، وتعظيما له منا، وهم على الخير أحرص.

* وإنما كمال محبته، وتعظيمه في متابعته، وطاعته، واتباع أمره، وإحياء سنته، باطنا وظاهرا، ونشر ما بعث له، والجهاد على ذلك، بالقلب، واليد، واللسان، فإن هذه طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان). اهـ

قال الإمام ابن القيم / في «إعلام الموقعين» (ج2 ص290): (فإن تركه r: سنة، كما أن فعله سنة، فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا: ترك ما فعله، ولا فرق). اهـ

قال الفقيه ابن النجار / في «شرح الكوكب المنير» (ج2 ص196): (وأما التأسي في الترك: فهو أن تترك ما تركه، لأجل أنه تركه). اهـ

قال الفقيه الزركشي / في «البحر المحيط» (ج4 ص191): (لأن المتابعة كما تكون في الأفعال، تكون في التروك). اهـ

وقال العلامة الشيخ الألباني / في «مناسك الحج والعمرة» (ص42): (ومن المقرر عند ذوي التحقيق، من أهل العلم: أن كل عبادة مزعومة لم يشرعها لنا رسول الله r، بقوله، ولم يتقرب هو بها، إلى الله تعالى بفعلها: فهي مخالفة لسنته؛ لأن السنة على قسمين: سنة فعلية، وسنة تركية، فما تركه r من تلك العبادات، فمن السنة تركها). اهـ

وقال الإمام أبو المظفر السمعاني / في «قواطع الأدلة» (ج3 ص311): (إذا ترك النبي r شيئا من الأشياء وجب علينا متابعته فيه). اهـ

وقال الفقيه ابن النجار / في «شرح الكوكب المنير» (ج2 ص165): (وإذا نقل عن النبي r: أنه ترك كذا، كان أيضا من السنة الفعلية). اهـ

قلت: وكذلك لم يثبت عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم.

والدعاء في «يوم عرفة» يكون مطلقا؛ في هذه الأيام المباركة؛ لعموم الأدلة.

* ولا يخصص يوم عرفة بالدعاء لغير الحاج؛ كما يشرع للحاج، ولذلك بالمكوث للدعاء من الظهر إلى غروب الشمس.([2])

* ولا يصح حديث: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»، حررته في جزء منفرد.

قلت: والأصل في العبادات في الشرع أنها توقيفية، ولا تؤخذ ولا تثبت بطريق الرأي والاجتهاد، وإنما تؤخذ بما شرعه الشارع؛ فلا تقيد بوقت أو مكان، فافطن لهذا ترشد.

قال الحافظ ابن حجر / في «فتح الباري» (ج2 ص80): (التقرير في العبادة إنما يؤخذ عن توقيف). اهـ

وقال الحافظ ابن حجر / في «فتح الباري» (ج3 ص54): (الأصل في العبادة التوقف). اهـ

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج1 ص137): (إن العبادات مبناها على التوقيف). اهـ

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى» (ج29 ص17): (ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى). اهـ

وقال الإمام ابن مفلح / في «الآداب الشرعية» (ج2 ص275): (الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ شيء منها سببا؛ إلا أن تكون مشروعة؛ فإن العبادات مبناها على التوقيف). اهـ

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم / في «الفتاوى» (ج6 ص75): (العبادات توقيفية، فما شرعه الله ورسوله مطلقا كان مشروعا كذلك، وما شرعه مؤقتا في زمان أو مكان توقت، وتقيد بذلك المكان والزمان). اهـ

وقال الفقيه الزرقاني / في «شرح الموطأ» (ج1 ص526): (الأصل في العبادة التوقيف). اهـ

وقال العلامة عبد الله البسام / في «تيسير العلام شرح عمدة الأحكام» (ص394): (العبادات توقيفية، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله.

ومعنى: هذا أن العبادات لا تكون بالرأي والاستحسان، وإنما تتلقى عن المشرع، وهذه قاعدة عظيمة نافعة). اهـ

وقال الشوكاني / في «نيل الأوطار» (ج2 ص48): (لا سيما في أمور العبادة، فإنها إنما تؤخذ عن توقيف). اهـ

قلت: والثابت عن السلف رحمهم الله تحريم التعريف، وأنه بدعة محدثة، فافهم لهذا ترشد.

فعن أبي وائل /: «أنه كان لا يأتي المسجد عشية عرفة».

أثر صحيح

أخرجه ابن وضاح في «البدع» (ج2 ص94 ح112) من طريق ابن نمير، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل به.

قلت: وهذا سنده صحيح.

وذكره السيوطي في «الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع» (ص144)، والطرطوشيفي «الحوادث والبدع» (ص127).

وعن الأعمش قال: «رأيت أبا وائل وأصحابنا يجلسون يوم عرفة فيتحدثون كما يتحدثون في سائر الأيام».

أثر صحيح

أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (14458) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش به.

قلت: وهذا سنده صحيح.

وعن ابن عون / قال: شهدت إبراهيم النخعي، سئل عن اجتماع الناس عشية عرفة، فكرهه وقال: «محدث».

أثر صحيح

أخرجه ابن وضاح في «البدع» (ج2 ص93 ح111) من طريق محمد بن قدامة قال: نا الأنصاري محمد بن عبد الله قال: أنا ابن عون به.

قلت: وهذا سنده صحيح.

وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (ج4 ص378 ح8128) من طريق معمر، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: «كان يرى الناس يعرفون في المسجد بالكوفة فلا يعرف معهم».

قلت: وهذا سنده صحيح.

وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (14463) من طريق هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، أنه سئل عن التعريف فقال: «إنما التعريف بمكة».

قلت: وهذا سنده صحيح.

وأخرجه ابن الجعد في «حديثه» (ص58 ح278)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (ج5 ص118) من طريق شعبة، عن منصور، عن إبراهيم قال: «محدث».

قلت: وهذا سنده صحيح.

وأخرجه محمد بن الحسن الشيباني في «الآثار» (ج1 ص339 ح342) من طريق أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: «أنه لم يكن يخرج يوم عرفة من منزله».

قلت: وهذا سنده حسن، في المتابعات.

* النعمان بن ثابت أبو حنيفة، وهو ضعيف الحديث.

قال عنه يحيى بن معين: (لا يكتب حديثه)، وقال النسائي: (ليس بالقوي في الحديث وهو كثير الغلط والخطأ)، وقال النضر بن شميل: (هو متروك الحديث)، وقال ابن سعد: (وهو ضعيف في الحديث)، وقال ابن عدي: (عامة ما يرويه غلط وتصحيف وزيادات).([3])

قلت: وخلاصة الأمر في الإمام أبي حنيفة /: أنه إمام فقيه مجتهد إلا أنه ليس بالضابط لحديثه فكان / ينفرد ويهم ويخطئ، وتقع الغرائب في حديثه، فهو ضعيف الحديث، ولم يعتن بالحديث كعنايته بالفقه، وبالنسبة إلى روايته للآثار كفقه إبراهيم وشيخه حماد؛ فإنه يجيده فقد اعتنى بذلك وحفظه.([4])

وعن عامر، والحكم، قالا: «المعرف بدعة».

أثر صحيح

أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (14470) من طريق وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، والحكم به.

قلت: وهذا سنده صحيح.

وعن أبي حفص المدني / قال: «اجتمع الناس يوم عرفة في مسجد النبي r يدعون بعد العصر، فخرج نافع مولى ابن عمر من دار آل عمر فقال: «أيها الناس، إن الذي أنتم عليه بدعة وليست بسنة، إنا أدركنا الناس ولا يصنعون مثل هذا، ثم رجع فلم يجلس، ثم خرج الثانية ففعل مثلها، ثم رجع».

أثر صحيح

أخرجه ابن وضاح في «البدع» (ج2 ص93 ح110) من طريق زيد بن البشر قال: نا ابن وهب، عن الليث، عن أبي حفص المدني به.

قلت: وهذا سنده صحيح.

 *وأبو حفص المدني: هذا هو عمر بن عبد الله مولى غفرة، وهو ضعيف؛ كما في «تقريب التهذيب» لابن حجر (ص414)، ولكن مثل هذا يحتمل منه؛ فإن الراوي المضعف من قبل حفظه يحتمل الأئمة روايته إذا كان فيها قصة حدثت له، فافهم لهذا ترشد.

وعن عطاء الخراساني / قال: «إن استطعت أن تخلو بنفسك عشية عرفة فافعل».

أثر صحيح

أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (ج3 ص314)، و(ج5 ص197)، وأبو موسى المديني في «اللطائف من دقائق المعارف» (ص119 ح189)، وأحمد في «الزهد» (ص305 ح2211) من عدة طرق عن ضمرة، عن عمر بن الورد، قال: قال لي عطاء فذكره.

قلت: وهذا سنده صحيح.

وذكره: بدر الدين العيني في «البناية شرح الهداية» (ج3 ص124)، والطحطاوي في «حاشيته على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح» (ص538)، وابن كثير في «البداية والنهاية» (ج9 ص307)، والفاسي في «العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين» (ج5 ص209).

وعن شعبة بن الحجاج / قال: سألت الحكم وحمادا عن اجتماع الناس، يوم عرفة في المساجد، فقالا: «هو محدث».

أثر صحيح

أخرجه ابن الجعد في «حديثه» (ص58 ح277)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (ج5 ص117) من طريق شعبة به.

قلت: وهذا سنده صحيح.

وذكره البغوي في «شرح السنة» (ج7 ص148).

وعن سفيان الثوري / قال: «ليست عرفة إلا بمكة، ليس في هذه الأمصار عرفة».

أثر صحيح

أخرجه ابن وضاح في «البدع» (ج2 ص94 ح113) من طريق موسى بن عبيد الله، عن سفيان به.

قلت: وهذا سنده صحيح.

وعن الإمام الشعبي قال: «إنما المعرف بمكة».

أثر حسن

أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (14465) من طريق وكيع، عن ابن زيد، عن الشعبي به.

قلت: وإسناده حسن.

قال الحارث بن مسكين: «كنت أرى الليث بن سعد ينصرف بعد العصر يوم عرفة، فلا يرجع إلى قرب المغرب».

نقله: الطرطوشي في «الحوادث والبدع» (ص127)، وجلال الدين السيوطي في «الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع» (ص144)، وأبو شامة في «الباعث على إنكار البدع والحوادث» (ص32).

وقال الحافظ جلال الدين السيوطي / في «الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع» (ص143): (فصل: بدع يوم عرفة، ومن ذلك التعريف المحدث). اهـ

وبوب الحافظ ابن وضاح / في «البدع» (ج2 ص93): (كراهية اجتماع الناس عشية عرفة). اهـ

وقال العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ / في «الفتاوى» (ج3 ص128): (التعريف عشية عرفة بالأمصار بدعة، ولكن أحمد قال: لا بأس به وأنا لا أفعله وحينئذ الراجح هو عدم فعله، لأن هذه عبادة اختصت بمكان وهو عرفة، ولا يلحق غيره به، فإلحاق مكان بمكان في عبادة زيادة في الشرع فالذي عليه العمل أنه بدعة). اهـ

وقال شيخ شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين / في «التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم» (ص500): (الصواب مع من: كرهه، وأنه وإن فعله ابن عباس، وعمرو بن حريث ﭭ؛ فإنهما كغيرهما ما داء الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم لم يفعل هذا في وقتهم، فلا ينبغي أن يفعل؛ فهو للكراهة أقرب).اهـ

قلت: ولم يثبت عن أحد من الصحابة؛ كما سوف يأتي.

وقال شيخ شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين / في «الشرح الممتع على زاد المستقنع» (ج5 ص171): (والتعريف عشية عرفة بالأمصار أنهم يجتمعون آخر النهار في المساجد على الذكر والدعاء تشبها بأهل عرفة.

والصحيح: أن هذا فيه بأس وأنه من البدع، وهذا إن صح عن ابن عباس فلعله على نطاق ضيق مع أهله وهو صائم في ذلك اليوم، ودعاء الصائم حري بالإجابة، فلعله جمع أهله ودعا عند غروب الشمس، وأما أن يفعل بالمساجد ويظهر ويعلن، فلا شك أن هذا من البدع؛ لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه، أي: الصحابة، ولكان هذا مما تتوافر الدواعي على نقله.

* والعبادة لا يصح أن يقال فيها: لا بأس بها؛ لأنها إما سنة فتكون مطلوبة، وإما بدعة فيكون فيها بأس. أما أن تكون عبادة لا بأس بها، فهذا محل نظر). اهـ

 

ﭑ ﭑ ﭑ

 

 



 

 

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ

ذكر الدليل

على ضعف ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم في التعريف

 

 

(1) عن الحسن / قال: «أول من صنع ذلك ابن عباس». وفي رواية: «أول من عرف بأرضنا ابن عباس». وفي رواية: «أول من عرف بأرضنا ابن عباس كان يتعد عشية عرفة، فيقرأ القرآن البقرة آية آية، وكان مثجا عالما». وفي رواية: عن أبي بكر الهذلي قال: دخلت على الحسن فقال: إن ابن عباس، كان من القرآن بمنزل، كان عمر يقول: «ذاكم فتى الكهول، إن له لسانا سئولا، وقلبا عقولا، كان يقوم يقول على منبرنا هذا - أحسبه قال - عشية عرفة، فيقرأ سورة البقرة وسورة آل عمران، ثم يفسرها آية آية، وكان مثجة نجدا غربا».

أثر منكر

أخرجه ابن الجعد في «حديثه» (ص58 ح279)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (ج5 ص118)، وعبد الرزاق في «المصنف» (ج4 ص376 ح8122)، و(ج4 ص376 ح8123)، و(ج4 ص377 ح8124)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (14456)، و(36853)، و(37031)، وابن الجوزي في «مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن» (ج1 ص271 ح153)، والطبراني في «المعجم الكبير» (10620)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (ج1 ص318)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (ج2 ص367)، والبلاذري في «أنساب الأشراف» (ج4 ص34)، والعسكري في «الأوائل» (ص289) من عدة طرق عن الحسن به.

وذكره: البغوي في «شرح السنة» (ج7 ص148)، وأبو شامة في «الباعث على إنكار البدع والحوادث» (ص33)، والمواق في «التاج والإكليل لمختصر خليل» (ج2 ص366)، والنووي في «المجموع» (ج8 ص117)، وابن ناصر الدين الدمشقي في «مجلس في فضل يوم عرفة» (ص181)، وابن كثير في «البداية والنهاية» (ج12 ص98)، والذهبي في «تاريخ الإسلام» (ج2 ص658)، وتقي الدين المقريزي في «المقفى الكبير» (ج4 ص277)، وابن قتيبة في «غريب الحديث» (ج2 ص354)، والسيوطي في «الدر المنثور في التفسير بالمأثور» (ج1 ص555).

قلت: وهذا سنده ضعيف؛ لانقطاعه؛ فإن الحسن البصري لم يثبت له السماع من ابن عباس ﭭ مع إدراكه له، وأنه عاصره!.([5])

قال الإمام ابن المديني / في «علل الحديث» (ص189): (الحسن البصري لم يسمع من ابن عباس ﭭ، وما رآه قط؛ كان الحسن بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة؛ استعمله عليها علي t، وخرج إلى صفين). اهـ

وأخرج هذه الفقرة كاملة: ابن أبي حاتم في «المراسيل» (ص37) عن ابن البراء عن ابن المديني / به.

وأخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (ج4 ص168) عن الحاكم عن الحسن الإسفرائيني عن ابن البراء عن ابن المديني / به.

ونقله: الزيلعي في «تخريج أحاديث الهداية» (ج2 ص418) عن الحاكم به.

وعلقه: العلائي في «جامع التحصيل» (ص162)، وابن العراقي في «تحفة التحصيل» (ص83)، وابن حجر في «تهذيب التهذيب» (ج2 ص269) عن ابن المديني به.

قلت: وأما من وافق ابن المديني / على نفي سماع الحسن البصري من ابن عباسﭭ ؛ فهم: بهز بن أسد، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرازي، وابن معين، والبخاري، والنسائي، والبزار([6])، وغيرهم.

قال الدارمي / في «التاريخ» (ص100) ليحيى بن معين: (الحسن لقي ابن عباس؟، قال: لا).

وقال الدوري / في «التاريخ» (ج4 ص322): (قال يحيى بن معين: لم يسمع الحسن([7]) من ابن عباس ﭭ: شيئا).

وقال الحافظ الترمذي / في «العلل الكبير» (ص109)؛ برواية أبي طالب القاضي: (سألت محمدا عن حديث الحسن البصري: «وخطبنا ابن عباس ﭭ فقال: إن رسول الله r فرض صدقة الفطر»، فقال: روى غير يزيد بن هارون، عن حميد، عن الحسن البصري: «خطب ابن عباس ﭭ، وكأنه رأى هذا أصح، قال الترمذي: وإنما قال البخاري هذا، لأن ابن عباس ﭭ كان بالبصرة في أيام علي t، والحسن البصري في أيام عثمان، وعلي ﭭ كان بالمدينة). اهـ

وقال الحافظ ابن حزم / في «الإحكام» (ج2 ص250): (إن الحسن لم يسمع من ابن عباس أيام ولايته البصرة شيئا، ولا كان الحسن يومئذ بالبصرة، وإنما كان بالمدينة، هذا ما لا خلاف فيه بين أحد من نقلة الحديث). اهـ

* ونقل الحافظ الزيلعي / في «تخريج أحاديث الهداية» (ج2 ص418)، والحافظ ابن حجر في «نصب الراية» (ج1 ص281) عن الإمام النسائي قوله: (الحسن لم يسمع من ابن عباس ﭭ).

ونقله كذلك: العلامة العظيم آبادي / في «عون المعبود» (ج5 ص17) عن الحافظ المنذري /، نقلا عن الإمام النسائي /.

وقال الحافظ البيهقي / في «السنن الكبرى» (ج4 ص168): (حديث الحسن عن ابن عباس ﭭ: مرسل). اهـ

وقال الإمام أحمد /: (لم يسمع الحسن من ابن عباس، إنما كان ابن عباس بالبصرة واليا أيام علي ﭭ).([8])

وقال الإمام أبو حاتم الرازي / في «المراسيل» (ص37): (الحسن البصري لم يسمع من ابن عباس، وقوله: خطبنا ابن عباس؛ يعني: خطب أهل البصرة). اهـ

وقال الحافظ ابن عبد الهادي الحنبلي / في «تنقيح التحقيق» (ج2 ص1475): (لكن فيه إرسال، فإن الحسن لم يسمع من ابن عباس). اهـ

ونقل الحافظ الزيلعي / في «الطهارات» من «تخريج أحاديث الهداية» (ج1 ص90)؛ قول الحافظ البزار/: (وأما قوله: «خطبنا ابن عباس بالبصرة»، فقد أنكر عليه، لأن ابن عباس كان بالبصرة أيام الجمل، وقدم الحسن أيام صفين، فلم يدركه بالبصرة، وتأول قوله: خطبنا أي: خطب أهل البصرة). اهـ

وأنكره الإمام ابن المديني / في «علل الحديث» (ص189).

قلت: ولم أقف على أحد خالف الإمام ابن المديني، ومن معه من نفي سماع الحسن البصري من ابن عباس ﭭ.

اللهم إلا ما كان من الشيخ أحمد شاكر/، فقد ذهب في «تعليقه على المسند» إلى إثبات سماع الحسن البصري، من ابن عباس ﭭ؛ غير عابئ باتفاق أهل الصنعة على نفي سماعه منه!.

فقال الشيخ أحمد شاكر / في «تعليقه على المسند» (ج5 ص48)؛ عند الحديث رقم: (3126): (عن ابن سيرين: «أن جنازة مرت بالحسن، وابن عباس، فقام الحسن، ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن لابن عباس: أقام لها رسول الله r؟، فقال: قام وقعد»، فقال الشيخ أحمد معلقا: قد تكلموا في سماع الحسن البصري من ابن عباس ﭭ، بل في لقائه إياه، كما أشرنا في: (2018)، ورجحنا هناك صحة حديثه، لأنه عاصره، وهذا الإسناد قاطع في ذلك، فإنه صريح في أنه لقي ابن عباس وسأله وسمع منه). اهـ

قلت: فقد أخطأ الشيخ أحمد شاكر / في ترجيحه؛ بأن الحسن البصري سمع من ابن عباس ﭭ، وذلك فإن المعاصرة لا تستلزم اللقاء، بله السماع.

* والنقاد الذين اتفقوا على نفي سماعه لم يخف عليهم أنه عاصره، بل صرحوا بذلك أثناء نفيهم لهذا السماع.

* ثم إن هذا الإسناد الذي جعله قاطعا في سماع الحسن من ابن عباس ﭭ في «مسند» الإمام أحمد، وأحمد يقول بنفي السماع، ولو كان قاطعا كما ظن الشيخ أحمد شاكر، لما خالفه الإمام أحمد، ولا أحد ممن نفى السماع.

* وإنما لم يعتدوا به؛ لأن الحسن المذكور فيه هو: «الحسن بن علي بن أبي طالب»، وليس: بـ«الحسن البصري»، وقد جاء التصريح بذلك في «المسند» أيضا.

فأخرجه أحمد في «المسند» (ج1 ص200) من طريق عفان، حدثنا يزيد يعني: ابن إبراهيم، وهو التستري، حدثنا محمد بن سيرين، قال: (نبئت أن جنازة مرت على الحسن بن علي، وابن عباس، y، فقام الحسن، وقعد ابن عباس، فقال الحسن لابن عباس: ألم تر إلى النبي r مرت به جنازة فقام، فقال ابن عباس: بلى، وقد جلس، فلم ينكر الحسن: ما قال ابن عباس ﭭ).

قلت: وهذا صريح أنه: «الحسن بن علي بن أبي طالب ﭭ»، وليس بـ«الحسن البصري»، وهذا وهم من الشيخ أحمد شاكر، اللهم غفرا.

قلت: ولو سلمنا جدلا أن الأثر ثابت: فإن الألفاظ المبينة له تبين أنه كان في خطبة؛ لاعتلائه المنبر، بخلاف الألفاظ المجملة.

قال الفقيه البابرتي الحنفي / في «العناية شرح الهداية» (ج2 ص79): (وما نقل عن ابن عباس ﭭ أنه فعل ذلك بالبصرة محمول على أنه كان للدعاء لا تشبيها بأهل عرفة). اهـ

وقال الفقيه بدر الدين العيني / في «البناية شرح الهداية» (ج3 ص123): (ذلك محمول على أنه ما كان للتشبيه بل كان للدعاء والتضرع). اهـ

وقال الفقيه الطحطاوي الحنفي / في «حاشيته على مراقي الفلاح شرح في نور الإيضاح» (ص538): (وما نقل عن ابن عباس أنه فعل ذلك بالبصرة يحمل على أنه خرج للاستسقاء ونحوه لا للتشبيه بأهل عرفات). اهـ

(2) وعن القاسم بن محمد قال: «كانت عائشة تحلق رءوسنا عشية عرفة ثم تحلقنا وتبعثنا إلى المسجد ثم تضحي عندنا من الغد».

أثر منكر

أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (ج5 ص142) من طريق محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الموال عن شيبة بن نصاح عن القاسم بن محمد به.

قلت: وهذا سنده منكر؛ فيه محمد بن عمر الواقدي، وهو متروك؛ كما في «تقريب التهذيب» لابن حجر (ص703).

وذكره البهوتي في «كشاف القناع عن متن الإقناع» (ج2 ص60)؛ بقوله: (وروى أبو بكر في الشافي بإسناده عن القاسم بن محمد قال: «كانت عائشة تحلق رءوسنا يوم عرفة فإذا كان العشي حلقتنا وبعثت بنا إلى المسجد»). اهـ

قلت: ومما استدل به على التعريف: ما ورد عن موسى بن أبي عائشة قال: «رأيت عمرو بن حريث يخطب يوم عرفة وقد اجتمع الناس إليه».

أثر صحيح

أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (14850) من طريق ابن مهدي، عن سفيان، عن موسى بن أبي عائشة به.

قلت: وهذا سنده صحيح.

وذكره السيوطي في «الدر المنثور في التفسير بالمأثور» (ج1 ص555).

قلت: وهذا الأثر لا دلالة فيه على التعريف؛ بل كانت خطبة، وليس فيها دعاء أو ذكر، فافهم لهذا ترشد.

 

 

 

ﭑ ﭑ ﭑ

 

 

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ

ذكر الدليل

على ضعف ما ورد عن التابعين رضي الله عنهم في التعريف

 

 

(1) عن الحكم، قال: «أول من عرف بالكوفة ابن الزبير».

أثر ضعيف

أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (ج13 ص68 ح37041) من طريق يزيد أبي شيبة، عن الحكم به.

وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (ج58 ص228) من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، نا أبي، نا يزيد بن هارون، عن أبي شيبة، عن الحكم به.

قلت: ولعل في المطبوع من «المصنف» لابن أبي شيبة سقط.

وهذا سنده ضعيف؛ فيه أبو شيبة إبراهيم بن عثمان، وهو متروك الحديث.

قال عنه ابن حجر: (متروك الحديث)، وقال الذهبي: (مجمع على ضعفه)، وقال أيضا: (ساقط)، وقال ابن المبارك: (ارم به)، وقال يحيى: (ليس بثقة)، وقال أحمد: (منكر الحديث، قريب من الحسن بن عمارة، والحسن متروك الحديث)، وقال النسائي، وأبو الفتح الأزدي: (هو متروك الحديث)، وقال أبو زرعة: (ضعيف)، وقال أبو حاتم الرازي: (تركوا حديثه)، وقال السعدي: (ساقط).([9])

وذكره: ابن ناصر الدين الدمشقي في «مجلس في فضل يوم عرفة» (ص181)، وأبو شامة في «الباعث على إنكار البدع والحوادث» (ص33).

(2) قال الحافظ السيوطي / في «الدر المنثور في التفسير بالمأثور» (ج1 ص555): (وأخرج المروزي: عن مبارك، قال: رأيت الحسن، وبكر بن عبد الله، وثابتا البناني، ومحمد بن واسع، وغيلان بن جرير، يشهدون عرفة بالبصرة). اهـ

قلت: وهذا ضعيف؛ لم أقف عليه مسندا.

(3) وعن زبيد قال: «ما كنا نعرف إلا في مساجدنا».

أثر ضعيف

أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (14466) من طريق شريك، عن زبيد به.

قلت: وهذا سنده ضعيف؛ شريك بن عبد الله القاضي، وهو صدوق يخطئ كثيرا؛ كما في «تقريب التهذيب» لابن حجر (ص339).

(4) وعن سفيان بن حسين؛ قال: «أردت التعريف بواسط يوم عرفة، فقلت: أمر بإياس بن معاوية؛ فأتيته، فخرج معي إلى المسجد، فلما دخل المسجد قال لي: إن أمي خرجت وهي علي غضبى، وأنا أكره أن أصير إلى التعريف والدعاء، وهي غضبى، فقم لي حتى أسترضيها، فدنا من ظلة أنسنا([10])، وخرجت إليه أمه، فجلس بين يديها، واضعا يديه على خديه، منكسا رأسه طويلا، ثم قام فقال لي: اذهب بنا فقد رضيت».

أثر منكر

أخرجه وكيع في «أخبار القضاة» (ج1 ص344) من طريق إبراهيم بن أبي عثمان، عن سليمان بن أبي شيخ؛ قال: حدثنا أبو المطرف المغيرة بن المطرف المخزومي، عن سفيان بن حسين به.

قلت: وهذا سنده ساقط، وله علتان:

الأولى: إبراهيم بن أبي عثمان، لم أقف على ترجمة.

الثانية: المغيرة بن مطرف الرواسي، وهو واه.

قال الحافظ الذهبي في «المقتنى في سرد الكنى» (ج2 ص81)؛ عنه: (واه).

(5) وعن عبد الرحمن بن حرملة، «أنه رأى سعيد بن المسيب عشية عرفة مسندا ظهره إلى المقصورة، ويستقبل الشام حتى تغرب الشمس».

أثر ضعيف

أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (14459) من طريق حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حرملة به.

قلت: وهذا سنده ضعيف؛ فيه حاتم بن إسماعيل المدني، يخطئ ويخالف.

قال الإمام أحمد عنه: (زعموا أن حاتما، كان فيه غفلة)، وقال النسائي: (ليس به بأس)، وقال مرة: (ليس بالقوي).([11])

وقال الحافظ ابن حجر / في «تقريب التهذيب» (ص149): (صدوق يهم). اهـ

* تنبيه على أثر الحسن البصري /:

فعن أبي عوانة قال: «رأيت الحسن البصري يوم عرفة بعد العصر جلس فدعا وذكر الله عز وجل فاجتمع الناس». وفي رواية: «رأيت الحسن خرج يوم عرفة من المقصورة بعد العصر فقعد فعرف». وفي رواية: «رأيت الحسن خرج يوم عرفة من المقصورة بعد العصر فقعد فعرف».

أثر صحيح

أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (ج5 ص117)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (ج2 ص63)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (ج9 ص288) من عدة طرق عن أبي عوانة به.

قلت: وهذا سنده صحيح.

وذكره أبو شامة في «الباعث على إنكار البدع والحوادث» (ص33)، وابن ناصر الدين الدمشقي في «مجلس في فضل يوم عرفة» (ص181)، والنووي في «المجموع» (ج8 ص117)، والسيوطي في «الدر المنثور في التفسير بالمأثور» (ج1 ص555).

قلت: الثابت من قول الحسن البصري / خلاف ذلك، وقول الحسن البصري / مفسر، وأما ما رآه أبو عوانة فلعل من فهمه: فهم أن الحسن البصري / قصد التعريف في يوم عرفة، فانتبه.

فعن قتادة قال: قال عدي بن أرطاة للحسن: ألا تخرج بالناس فتعرف بهم، وذلك بالبصرة؟ قال: فقال الحسن: «إنما المعرف بعرفة».

أثر صحيح

أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (ج4 ص376 ح8122) من طريق معمر، عن قتادة به.

قلت: وهذا سنده صحيح.

 

 

 

 

ﭑ ﭑ ﭑ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ

ذكر الدليل

على المعنى الصحيح لأثر يحيى بن معين / الذي استدل به البعض على جواز التعريف عشية عرفة

 

 

عن يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي قال: «رأيت يحيى بن معين عشية عرفة في مسجد الجامع قد حضر مع الناس، ورأيته يشرب ماء، ولم يكن بصائم».

نقله عنه ابن أبي يعلى الحنبلي في «طبقات الحنابلة» (ج2 ص554).

قلت: وليس في الأثر ما يدل على أن الإمام يحيى بن معين /، أراد التعريف، فانتبه.

 

 

 

ﭑ ﭑ ﭑ

 

 

 

 

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ

ذكر تحرير

مذهب الإمام أبي حنيفة / في التعريف عشية عرفة في الأمصار

 

اعلم رحمك الله تعالى أن للحنفية أقوال في هذه المسألة:

القول الأول: أن التعريف مكروه، كراهة تحريمية، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة.

القول الثاني: عن أبي يوسف، ومحمد في غير رواية الأصول: أنه لا يكره فيكون مكروها في رواية الأصول.

القول الثالث: أن التعريف مستحب؛ لأنه تشبه بأهل الطاعة([12]).([13])

وقال بعضهم: لو اجتمعوا لشرف ذلك اليوم ولسماع الوعظ بلا وقوف وكشف رأس جاز بلا كراهة اتفاقا.([14])

قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني / في «الآثار» (ج1 ص339): (وقال أبو حنيفة: التعريف الذي يصنعه الناس يوم عرفة محدث، إنما التعريف بعرفات.

قال محمد: وبه نأخذ). اهـ

وقال الفقيه المرغيناني / في «الهداية في شرح بداية المبتدي» (ج1 ص86): (والتعريف الذي يصنعه الناس ليس بشيء). اهـ

وقال الفقيه ابن الهمام / في «فتح القدير» (ج2 ص79): (قوله: «ليس بشيء»؛ ظاهر مثل هذا اللفظ أنه مطلوب الاجتناب). اهـ

وقال الفقيه البابرتي / في «العناية شرح الهداية» (ج2 ص79): (وقوله (ليس بشيء) أي ليس بشيء معتبر يتعلق به الثواب لما ذكر في الكتاب، وما نقل عن ابن عباس ﭭ أنه فعل ذلك بالبصرة محمول على أنه كان للدعاء لا تشبيها بأهل عرفة). اهـ

وقال الفقيه الرازي الحنفي اللغوي في «تحفة الملوك» (ص95): (بدعة يوم عرفة والوقوف يوم عرفة في موضع آخر تشبها بأهل عرفة بدعة). اهـ

وقال الفقيه بدر الدين العيني / في «البناية شرح الهداية» (ج3 ص124): (وقال شمس الأئمة السرخسي: ولو فعلوا ذلك، أي التعريف تشبها بالواقفين لزمهم أن يكشفوا رءوسهم أيضا، تشبها بالمحرمين، وهذا لا يقول به أحد، لأنه تشبه بالنصارى في كنائسهم ومتعبداتهم.

ولو فعلوا ذلك لطافوا أيضا حول مساجدهم أو بنوا بيتا آخر يطوفون حوله تشبها بالطائفين حول البيت ويسعون في أسواقهم تشبها بالساعين بين الصفا والمروة). اهـ

 

 

 

 

ﭑ ﭑ ﭑ

 

 

 

 

 

 

 

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ

ذكر تحرير

مذهب الإمام مالك / في التعريف عشية عرفة في الأمصار

 

اعلم رحمك الله تعالى: أن مذهب الإمام مالك هو كراهية التعريف.

قال الإمام ابن أبي زيد القيرواني / في «النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات» (ج1 ص531): (ومن العتبية، ابن القاسم، عن مالك: وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة في المساجد للدعاء، ومن اجتمع إليه الناس يومئذ، فيكبرون ويدعون، فلينصرف عنهم، ومقامه في منزله أحب إلي فإذا حضرت الصلاة، رجع فصلى في المسجد).([15]) اهـ

وقال الإمام ابن وهب /: (سألت مالكا عن الجلوس يوم عرفة؛ يجلس أهل البلد في مسجدهم، ويدعو الإمام رجالا يدعون الله تعالى للناس إلى غروب الشمس؟ فقال: ما نعرف هذا، وإن الناس عندنا اليوم ليفعلونه).([16])اهـ

وقال الإمام مالك بن أنس /: (ولقد رأيت رجالا ممن اقتدي بهم يتخلفون عشية عرفة في بيوتهم).([17])اهـ

وقال الإمام مالك بن أنس /: (وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع، ولا أحب للرجل الذي قد علم أن يقعد في المسجد في تلك العشية؛ مخافة أن يقتدى به، وليقعد في بيته).([18])اهـ

وقال الإمام ابن رشد / في «البيان والتحصيل» (ج1 ص274): (مسألة: وسئل مالك عن الجلوس يوم عرفة في المساجد في البلدان بعد العصر للدعاء، فكره ذلك، فقيل له فإن الرجل يكون في مجلسه فيجتمع إليه الناس ويكبرون، قال: ينصرف، ولو أقام في منزله كان أحب إلي). اهـ

وقال الإمام ابن رشد / في «البيان والتحصيل» (ج1 ص274): (كره مالك هذا وإن كان الدعاء حسنا وأفضله يوم عرفة؛ لأن الاجتماع لذلك بدعة، وقد روي أن رسول الله r قال: «أفضل الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة»). اهـ

وقال الإمام ابن رشد / في «البيان والتحصيل» (ج1 ص363): (من كراهيته للاجتماع للدعاء يوم عرفة بعد العصر في المساجد، فرحم الله مالكا فما كان أتبعه للسنة وأكرهه لمخالفة السلف). اهـ

وقال الإمام ابن رشد / في «البيان والتحصيل» (ج2 ص324)، و(ج17 ص121): (والمعلوم من مذهب مالك إنكار هذه الأمور المحدثات كلها، من ذلك أنه كره في سماع ابن القاسم القراءة في المسجد، والاجتماع يوم عرفة بعد العصر في المساجد للدعاء). اهـ

قلت: فقول الإمام مالك صرح في الكراهة، وإما المالكية فقالوا: لا يكره، وقيدوا الكراهة: بمن يقصد أنه سنة ذلك اليوم والتشبيه بأهل الموقف، وقال بعضهم: بل يندب.([19])

قال الفقيه ابن فرحون / في «إرشاد السالك إلى أفعال المناسك» (ج1 ص400): (واجتماع الناس يوم عرفة في مساجد الأمصار وقت الوقوف بعرفة يذكرون ويدعون، تشبها بالحجاج، نص عليه الشيخ أبو بكر الطرطوشي: أنه من البدع). اهـ

وقال الفقيه الطرطوشي / في «الحوادث والبدع» (ص127): (فاعلموا رحمكم الله أن هؤلاء الأئمة علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة لا في غيرها، ولم يمنعوا من خلا بنفسه فحضرته نية صادقة أن يدعو الله تعالى، وإنما كرهوا الحوادث في الدين، وأن يظن العوام أن من سنة يوم عرفة بسائر الآفاق الاجتماع والدعاء، فيتداعى الأمر إلى أن يدخل في الدين ما ليس منه.

* وقد كنت ببيت المقدس، فإذا يوم عرفة؛ حبس أهل السواد وكثير من أهل البلد، فيقفون في المسجد مستقبلين القبلة مرتفعة أصواتهم كأنه موطن عرفة!.

* وكنت أسمع هناك سماعا فاشيا منهم: أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات؛ فإنها تعدل حجة، ثم يجعلونه ذريعة إلى إسقاط فريضة الحج إلى بيت الله الحرام!). اهـ

 

 

 

ﭑ ﭑ ﭑ

 

 

 

 

 

 

 

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ

ذكر تحرير

 مذهب الإمام الشافعي / في التعريف عشية عرفة في الأمصار

 

اعلم رحمك الله تعالى: أني لم أقف على نص في المسألة عن الإمام الشافعي / تعالى.

قال الحافظ النووي الشافعي / في «المجموع شرح المهذب» (ج8 ص117): (في التعريف بغير عرفات، وهو الاجتماع المعروف في البلدان بعد العصر يوم عرفة وفيه خلاف للسلف... وصنف الإمام أبو بكر الطرطوشي المالكي الزاهد كتابا في البدع المنكرة جعل منها هذا التعريف وبالغ في إنكاره، ونقل أقوال العلماء فيه، ولا شك أن من جعله بدعة لا يلحقه بفاحشات البدع بل يخفف أمرها والله أعلم). اهـ

قلت: هكذا أطلق الحافظ النووي / الخلاف عن السلف، ولم يثبت عن السلف خلاف في هذه المسألة، فانتبه.

قال الفقيه الشربيني / في «مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج» (ج2 ص261): (قال المصنف: ومن جعله بدعة لم يلحقه بفاحش البدع، بل يخفف أمره؛ أي: إذا خلا عن اختلاط الرجال بالنساء، وإلا فهو من أفحشها). اهـ

وقال الحافظ الرملي / في «نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج» (ج3 ص297): (وكرهه آخرون كمالك لكنهم لم يلحقوه بفاحشات البدع بل يخفف أمره إذا خلا عن اختلاط الرجال بالنساء وإلا فهو من أفحشها). اهـ

وقال الفقيه الحليمي / في «المنهاج في شعب الإيمان» (ج2 ص455): (واختلف الناس في التعريف لغير مكة... وذلك يحسن). اهـ

وجاء في «حاشية القليوبي» (ج2 ص144): (قال شيخنا -يعني: الرملي - وغيره: ولا بأس بالتعريف بغير عرفة إن خلا عن نحو اختلاط رجال ونساء). اهـ

وقال الونائي؛ كما في «الحواشي» للشرواني (ج4 ص108): (ولا كراهية في التعريف بغير عرفة بل هو بدعة حسنة). اهـ

وقال الفقيه أبو شامة المقدسي / في «الباعث على إنكار البدع والحوادث» (ص32): (أما التعريف المحدث؛ فعبارة: عن اجتماع الناس عشية يوم عرفة في غير عرفة، يفعلون ما يفعله الحاج يوم عرفة من الدعاء والثناء، وهذا أحدث قديما واشتهر في الأفاق شرقا وغربا، واستفحل أمره ببيت المقدس، وخرج الأمر فيه إلى ما لا يحل اعتقاده... وقد بلغني أن منهم من يطوف بقبة الصخرة تشبها بالطواف بالكعبة، ولا سيما في السنين التي انقطع فيها طريق الحاج). اهـ

قلت: فكما ترى اختلاف الشافعية في التعريف بغير عرفة.([20])

قال الإمام ابن جماعة / في «هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك» (ج3 ص1170): (وما يفعله كثير من الجهلة من شد الرحال إلى بيت المقدس لقصد الوقوف به يوم عرفة قائلين: فاتنا الوقوف بعرفة؛ فنقف في المسجد الأقصى، فمنكر وضلالة بلا شك، وكذلك ما يفعلونه عقب التعريف بالمسجد من: الغناء، والتصفيق، والصياح، والتباكي، وغير ذلك من الفواحش).اهـ

وقال البجيرمي / في «تحفة الحبيب على شرح الخطيب -المعروف: بالحاشية» (ج2 ص226): (وقال الشيخ الطوخي بحرمته لما فيه من اختلاط النساء بالرجال كما هو مشاهد الآن). اهـ

 

 

ﭑ ﭑ ﭑ

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ

ذكر تحرير

 مذهب الإمام أحمد بن حنبل / في التعريف عشية عرفة في الأمصار

 

 

عن الأثرم، قال: سألت أحمد بن حنبل عن التعريف في الأمصار يجتمعون في المساجد يوم عرفة، فقال: (أرجو ألا يكون به بأس، قد فعله غير واحد، الحسن، وبكر، وثابت، ومحمد بن واسع، كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة).

أثر صحيح

أخرجه ابن الجوزي في «مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن» (ج1 ص271 ح154)، وابن أبي يعلى الفراء في «طبقات الحنابلة» (ج1 ص67) من عدة طرق عن الأثرم به.

قلت: وهذا سنده صحيح.

قلت: ولم يثبت عن واحد منهم التعريف؛ فانتبه.

وذكره السيوطي في «الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع» (ص146)، وأبو شامة المقدسي في «الباعث على إنكار البدع والحوادث» (ص34)، وابن ناصر الدين الدمشقي في «مجلس في فضل يوم عرفة» (ص181)، والقرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» (ج2 ص419)، وابن قدامة في «المغني» (ج2 ص296)، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (ج12 ص624).

وقال الإمام ابن هانئ / في «مسائل الإمام أحمد» (ص127): (وسئل عن التعريف في القرى؟.

فقال: قد فعله ابن عباس بالبصرة، وفعله عمرو بن حريث بالكوفة.

قال أبو عبد الله: ولم أفعله أنا قط، وهو دعاء، دعهم، يكثر الناس.

قيل له: فترى أن ينهوا؟

قال: لا، دعهم، لا ينهون.

وقال مبارك: رأيت الحسن، وابن سيرين، وناسا يفعلونه.

سألته عن التعريف في الأمصار؟

قال: لا بأس به). اهـ

وقال ابن الهيثم العاقولي /: وسألت أبا عبد الله عن التعريف بهذه القرى، مثل: جرجراي ودير العاقول؟ فقال: (قد فعله ابن عباس بالبصرة، وعمر بن حريث بالكوفة، وهو دعاء) قيل له: يكثر الناس؟! قال: (وإن كثروا، هو دعاء وخير، وقد كان يفعله محمد بن واسع، وابن سيرين، والحسن)، وذكر جماعة من البصريين.([21])

قلت: والحنابلة على الترخيص في التعريف.([22])

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ

ذكر تحرير

 قول شيخ الإسلام ابن تيمية / في التعريف عشية عرفة في الأمصار

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» (ج2 ص149): (فصل: وقد يحدث في اليوم الفاضل، مع العيد العملي المحدث، العيد المكاني، فيغلظ قبح هذا، ويصير خروجا عن الشريعة. فمن ذلك: ما يفعل يوم عرفة، مما لا أعلم بين المسلمين خلافا في النهي عنه، وهو قصد قبر بعض من يحسن به الظن يوم عرفة، والاجتماع العظيم عند قبره، كما يفعل في بعض أرض المشرق والمغرب، والتعريف هناك، كما يفعل بعرفات فإن هذا نوع من الحج المبتدع الذي لم يشرعه الله، ومضاهاة للحج الذي شرعه الله، واتخاذ القبور أعيادا.

وكذلك: السفر إلى بيت المقدس، للتعريف فيه، فإن هذا أيضا ضلال بين، فإن زيارة بيت المقدس مستحبة مشروعة للصلاة فيه والاعتكاف، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، لكن قصد إتيانه في أيام الحج هو المكروه، فإن ذلك تخصيص وقت معين بزيارة بيت المقدس، ولا خصوص لزيارته في هذا الوقت على غيره.

* ثم فيه أيضا مضاهاة للحج إلى المسجد الحرام، وتشبيه له بالكعبة، ولهذا قد أفضى إلى ما لا يشك مسلم في أنه شريعة أخرى، غير شريعة الإسلام، وهو ما قد يفعله بعض الضلال من الطواف بالصخرة، أو من حلق الرأس هناك، أو من قصد النسك هناك.

وكذلك: ما يفعله بعض الضلال من الطواف بالقبة التي بجبل الرحمة بعرفة؛ كما يطاف بالكعبة.

* فأما الاجتماع في هذا الموسم لإنشاد الغناء أو الضرب بالدف بالمسجد الأقصى ونحوه، فمن أقبح المنكرات من جهات أخرى.

منها: فعل ذلك في المسجد؛ فإن ذلك فيه ما نهي عنه خارج المساجد؛ فكيف بالمسجد الأقصى؟!.

ومنها: اتخاذ الباطل دينا.

ومنها فعله في الموسم.

* فأما قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر فهذا هو التعريف في الأمصار الذي اختلف العلماء فيه، ففعله ابن عباس، وعمرو بن حريث من الصحابة وطائفة من البصريين والمدنيين، ورخص فيه أحمد، وإن كان مع ذلك لا يستحبه، هذا هو المشهور عنه.

* وكرهه طائفة من الكوفيين والمدنيين: كإبراهيم النخعي، وأبي حنيفة ومالك، وغيرهم.

* ومن كرهه قال: هو من البدع، فيندرج في العموم لفظا ومعنى.

* ومن رخص فيه قال: فعله ابن عباس بالبصرة حين كان خليفة لعلي بن أبي طالب ﭭ، ولم ينكر عليه، وما يفعل في عهد الخلفاء الراشدين من غير إنكار لا يكون بدعة.

* لكن ما يزاد على ذلك من رفع الأصوات الرفع الشديد في المساجد بالدعاء، وأنواع من الخطب والأشعار الباطلة مكروه في هذا اليوم وغيره... والفرق بين هذا التعريف المختلف فيه وتلك التعريفات التي لم يختلف فيها: أن في تلك قصد بقعة بعينها للتعريف فيها: كقبر الصالح، أو كالمسجد الأقصى، وهذا تشبيه بعرفات، بخلاف مسجد المصر، فإنه قصد له بنوعه لا بعينه، ونوع المساجد مما شرع قصدها، فإن الآتي إلى المسجد ليس قصده مكانا معينا لا يتبدل اسمه وحكمه، وإنما الغرض بيت من بيوت الله، بحيث لو حول ذلك المسجد لتحول حكمه، ولهذا لا تتعلق القلوب إلا بنوع المسجد لا بخصوصه.

وأيضا، فإن شد الرحال إلى مكان للتعريف فيه، مثل الحج، بخلاف المصر، ألا ترى أن النبي r قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا»، هذا مما لا أعلم فيه خلافا. فقد نهى النبي r عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، ومعلوم أن إتيان الرجل مسجد مصره: إما واجب كالجمعة، وإما مستحب كالاعتكاف به.

وأيضا فإن التعريف عند القبر اتخاذ له عيدا، وهذا بنفسه محرم، سواء كان فيه شد للرحل، أو لم يكن، وسواء كان في يوم عرفة أو في غيره، وهو من الأعياد المكانية مع الزمانية). اهـ

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «مسألة في المرابطة بالثغور أفضل أم المجاورة بمكة شرفها الله تعالى» (ص61): (وإذا تبين ما في الرباط من الفضل؛ فمن الضلال ما تجد عليه أقواما ممن غرضه التقرب إلى الله والعبادة له بما يحبه ويرضاه يكون في الشام أو ما يقاربها فيسافر السفر الذي لا يشرع بل يكره، ويترك ما هو مأمور به واجب أو مستحب.

مثال ذلك: أن قوما يقصدون التعريف بالبيت المقدس؛ فيقصدون زيارته في وقت الحج ليعرفوا به، ويدعوا المقام بالثغور التي تقاربه، وهذا في الضلال والجهل والحرمان من وجوه:

أحدها: أن التعريف بالبيت المقدس ليس مشروعا لا واجبا ولا مستحبا بإجماع المسلمين، ومن اعتقد السفر إليه للتعريف قربة؛ فهو ضال باتفاق المسلمين؛ بل يستتاب فإن تاب، وإلا قتل إذ ليس السفر مشروعا للتعريف إلا للتعريف بعرفات.

* وأقبح من ذلك تعريف أقوام عند بعض قبور المشايخ والأنبياء وغير ذلك من المشاهد أو السفر كذلك؛ فهذا من أعظم المنكرات باتفاق المسلمين.

* بل تنازع السلف في تعريف الإنسان في مصره من غير سفر مثل: أن يذهب عشية عرفة إلى مسجد بلده فيدعو الله ويذكره.

فكره ذلك طوائف، منهم أبو حنيفة ومالك وغيرهما.

وخص فيه آخرون، منهم الإمام أحمد.

قال: لأنه فعله ابن عباس بالبصرة وعمرو بن حرب بالكوفة.

ومع هذا فلم يستحبه أحمد وكان هو نفسه لا يعرف ولا ينهى من عرف. وقد قيل عنه: أنه يستحب.

وأما السفر للتعريف بغير عرفة: فلا نزاع بين المسلمين أنه من الضلالات لا سيما إذا كان بمشهد مثل قبر نبي، أو رجل صالح، أو بعض أهل البيت، فإن السفر إلى ذلك لغير التعريف منهي عنه عند العلماء من الأئمة وأتباعهم). اهـ

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» (ج1 ص222): (وتعريف ابن عباس بالبصرة، وعمرو بن حريث بالكوفة؛ فإن هذا لما لم يكن مما يفعله سائر الصحابة، ولم يكن النبي r شرعه لأمته لم يمكن أن يقال: هذا سنة مستحبة.

بل غايته أن يقال: هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة، أو مما لا ينكر على فاعله لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد، لا أنه سنة مستحبة سنها النبي r لأمته.

أو يقال في التعريف: إنه لا بأس به أحيانا لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة.

وهكذا: يقول أئمة العلم في هذا وأمثاله: تارة يكرهونه، وتارة يسوغون فيه الاجتهاد، وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذ سنة، ولا يقول عالم بالسنة: إن هذه سنة مشروعة للمسلمين). اهـ

قلت: هذا هو تفصيل قول شيخ الإسلام ابن تيمية / في المسألة.

وأما ما نقله بعض أهل العلم عنه؛ ففيه إشكال في النقل، وهو أنه: يستحب في رواية: عن أحمد، وقوله: «لا نزاع فيه بين العلماء».

قال الفقيه ابن مفلح / في «الفروع» (ج3 ص216): (ولا بأس بالتعريف عشية عرفة بالأمصار، نص عليه «هـ م»([23])، وقال: إنما هو دعاء وذكر، قيل له: تفعله أنت؟ قال: لا، وأول من فعله ابن عباس وعمرو بن حريث، وعنه: يستحب، ذكره شيخنا «خ»([24]) نقل عبد الكريم بن الهيثم أن أحمد قيل له: يكثر الناس، قال: وإن كثروا. قلت: ترى أن يذهب إلى المدينة يوم عرفة على فعل ابن عباس؟ قال: سبحان الله. ورخص في الذهاب، ولم ير شيخنا([25]) زيارة القدس ليقف به، أو عند النحر، ولا التعريف بغير عرفة، وأنه لا نزاع فيه بين العلماء، وأنه منكر، وفاعله ضال). اهـ

وقال الفقيه المرداوي / في «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» (ج2 ص441): (لا بأس بالتعريف بالأمصار عشية عرفة نص عليه، وقال: إنما هو دعاء وذكر، وقيل له: تفعله أنت؟ قال: لا، وعنه يستحب، ذكرها الشيخ تقي الدين، وهي من المفردات، ولم ير الشيخ تقي الدين التعريف بغير عرفة، وأنه لا نزاع فيه بين العلماء، وأنه منكر، وفاعله ضال). اهـ

قلت: كما ترى أخي القارئ الكريم أن الفقيه المرداوي / نقل عن الفقيه ابن مفلح /، ولكنه اختصر.

وقال الفقيه ابن القاسم / في «حاشية الروض المربع» (ج2 ص523): (وقال شيخ الإسلام: بدعة، لم يره أبو حنيفة ومالك وغيرهما بغير عرفة، ولا نزاع بين العلماء أنه منكر، وفاعله ضال). اهـ

قلت: فالفقيه ابن القاسم /، نقل عن الفقيه ابن مفلح /، والفقيه المرداوي /، وغير شيئا يسيرا.

وجاء في «الموسوعة الفقهية الكويتية» (ج45 ص335): (وقال ابن مفلح وتبعه المرداوي: لم ير الشيخ تقي الدين التعريف بغير عرفة، وأنه لا نزاع فيه بين العلماء، وأنه منكر، وفاعله ضال). اهـ

قلت: بل النزاع في هذه المسألة مشهور، وما اختصره بعض أهل العلم عن ابن تيمية وجد فيه إشكال في النقل.

ﭑ ﭑ ﭑ

فهرس الموضوعات

 

الرقم

الموضوع

الصفحة

1)

ذكر الدليل على بدعية التعريف بعشية يوم عرفة في الشريعة المطهرة....................................................................................................

5

2)

ذكر الدليل على ضعف ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم في التعريف...................................................................................................

18

3)

ذكر الدليل على ضعف ما ورد عن التابعين رضي الله عنهم في التعريف...................................................................................................

27

4)

ذكر الدليل على المعنى الصحيح لأثر يحيى بن معين الذي استدل به البعض على جواز التعريف عشية عرفة...........................................

33

5)

ذكر تحرير مذهب الإمام أبي حنيفة في التعريف عشية عرفة في الأمصار....................................................................................................

34

6)

ذكر تحرير مذهب الإمام مالك في التعريف عشية عرفة في الأمصار...................................................................................................

37

7)

ذكر تحرير مذهب الإمام أحمد بن حنبل في التعريف عشية عرفة في الأمصار..............................................................................................

44

8)

ذكر تحرير قول شيخ الإسلام ابن تيمية في التعريف عشية عرفة في الأمصار....................................................................................................

 

 

 

 

 

46

 

 

 

 



([1]) انظر: «مختار الصحاح» للرازي (ص206)، و«الصحاح» للجوهري (ج4 ص1402)، و«تاج العروس» للزبيدي (ج24 ص147)، و«لسان العرب» لابن منظور (ج9 ص242).

([2]) وانظر كتابي: «جزء لطيف؛ فيه ما يستحب فعله يوم عرفة».

([3]) انظر: «تهذيب الكمال» للمزي (ج29 ص417)، و«تهذيب التهذيب» لابن حجر (ج10 ص449)، و«الضعفاء والمتروكين» لابن الجوزي (ج3 ص163)، و«الضعفاء» للعقيلي (ج4 ص268)، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (ج8 ص449)، و«الطبقات الكبرى» لابن سعد (ج7 ص233)، و«تاريخ الإسلام» للذهبي (ج3 ص990)، و«سير أعلام النبلاء» له (ج6 ص390)، و«المجروحين» لابن حبان (ج3 ص60)، و«التاريخ» لابن معين (ج2 ص607-رواية الدوري)، و«الكامل» لابن عدي (ج8 ص235).

([4]) وانظر: «الجواهر والدرر» للسخاوي (ج2 ص946).

([5]) قلت: فإن المعاصرة لا تستلزم اللقاء، بله السماع، وأئمة الحديث الذين اتفقوا على نفي سماعه لم يخف عليهم أنه عاصره، بل صرحوا بذلك أثناء نفيهم لهذا السماع.

([6]) وانظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص37)، و«العلل» للإمام أحمد (ص224)؛ رواية الميموني، و«تخريج أحاديث الهداية» للزيلعي (ج2 ص418)، و«نصب الراية» لابن حجر (ج1 ص271)، و«جامع التحصيل» للعلائي (ص162)، و«تحفة التحصيل» للعراقي (ص83).

([7]) قال الدوري / في «التاريخ» (ج4 ص322): (سمعت يحيى بن معين يقول: لم يسمع الحسن البصري من أبي بكرة t، قيل له: فإن مبارك بن فضالة يقول: عن الحسن قال: حدثنا أبو بكرة t، قال: ليس بشيء). اهـ

         وقال الدوري / في «التاريخ» (ج4 ص322): (سمعت يحيى بن معين يقول: في حديث ربيعة بن كلثوم بن جبر عن الحسن حدثنا أبو هريرة t، قال: لم يسمع منه شيئا). اهـ

         قلت: وهذا يدل على أن التصريح بالتحديث ليس بصحيح، وهو تأويل من الحسن البصري /.

         قال الحافظ البزار /: (وروى الحسن عن جماعة آخرين لم يدركهم، وكان صادقا متأولا في ذلك، فيقول: «حدثنا»، و«خطبنا»، ويعني قومه الذين حدثوا، وخطبوا بالبصرة). اهـ

        وانظر: «تخريج أحاديث الهداية» للزيلعي (ج1 ص90).

([8]) أخرجه ابن أبي حاتم في «المراسيل» (ص37).

        وإسناده صحيح.

([9]) انظر: «تقريب التهذيب» لابن حجر (ص63)، و«تهذيب التهذيب» له (ج1 ص144)، و«ديوان الضعفاء» للذهبي (ص18)، و«المغني في الضعفاء» له (ج2 ص790)، و«ميزان الاعتدال» له أيضا (ج1ص84)، و«الضعفاء والمتروكين» لابن الجوزي (ج2 ص41)، و«تهذيب الكمال» للمزي (ج2 ص147)، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (ج2 ص63)، و«أحوال الرجال» للجوزجاني (ص92)، و«الضعفاء والمتروكين» للنسائي (ص12).

([10]) هكذا في المطبوع.

     * ولعل الصواب: «ظلة النساء».

    * فالظلة: السقيفة، وما يستظل به.

     وانظر: «تهذيب اللغة» للأزهري (ج14 ص257).

([11])انظر: «تهذيب الكمال» للمزي (ج5 ص190)، و«ميزان الاعتدال» للذهبي (ج1 ص428).

([12]) قلت: وهذا الاستحباب لا دليل عليه، والتعليل غير مطرد؛ لأنه يخالف قواعد الشريعة، وأن الأصل في العبادات التوقيف.

([13]) انظر: «درر الحكام شرح غرر الأحكام» لملا خسرو (ج1 ص145)، و«البناية شرح الهداية» لبدر الدين العيني (ج3 ص123)، و«منحة السلوك في شرح تحفة الملوك» له (ص179)، و«نور الإيضاح ونجاة الأرواح في الفقه الحنفي» للشرنبلالي (ص108)، و«الهداية في شرح بداية المبتدي» للمرغيناني (ج1 ص86)، و«بداية المبتدي في فقه الإمام أبي حنيفة» له (ص28)، و«النهر الفائق شرح كنز الدقائق» لسراج الدين بن نجيم (ج1 ص371)، و«تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق» للزيلعي (ج1 ص226)، و«العناية شرح الهداية» للبابرتي (ج2 ص79)، و«تحفة الملوك» للرازي (ص95)، و«البحر الرائق شرح كنز الدقائق» لابن نجيم (ج2 ص176)، و«الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار» للحصكفي (ص114) و«رد المحتار على الدر المختار» لابن عابدين (ج2 ص177).

([14]) قلت: بل مكروه عند أكثر الأحناف، وهو الصحيح من مذهبهم.

([15]) وانظر: «الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع» لجلال الدين السيوطي (ص143)، و«الحوادث والبدع» للطرطوشي (ص126)، و«الباعث على إنكار البدع والحوادث» لأبي شامة (ص32).

([16]) وانظر: «الحوادث والبدع» للطرطوشي (ص126).

([17]) وانظر: «الحوادث والبدع» للطرطوشي (ص127).

([18]) وانظر: «الحوادث والبدع» للطرطوشي (ص127)، و«الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع» لجلال الدين السيوطي (ص143)، و«الباعث على إنكار البدع والحوادث» لأبي شامة (ص32).

([19]) انظر: «المختصر» لخليل (ص38)، و«شرح مختصر خليل» للخرشي (ج1 ص352)، و«الحاشية على الشرح الكبير» للدسوقي (ج1 ص309)، و«شرح مختصر خليل» للزرقاني (ج1 ص483)، و«التاج والإكليل لمختصر خليل» للمواق (ج2 ص366)، و«منح الجليل شرح مختصر خليل» للشيخ عليش (ج1 ص335)، و«إرشاد السالك إلى أفعال المناسك» لابن فرحون (ج1 ص400).

([20]) انظر: «المجموع شرح المهذب» للنووي (ج8 ص117)، و«النجم الوهاج في شرح المنهاج» للدميري (ج3 ص512)، و«تحفة المحتاج في شرح المنهاج» لابن حجر الهتيمي (ج4 ص108)، و«مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج» للشربيني (ج2 ص261)، و«نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج» للرملي (ج3 ص297)، و«فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب - المعروف بحاشية الجمل-» للجمل (ج2 ص458).

([21]) انظر: «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى الفراء (ج1 ص217).

([22]) وانظر: «المغني» لابن قدامة (ج2 ص296)، و«الشرح الكبير على متن المقنع» لعبد الرحمن المقدسي (ج2 ص259)، و«الفروع» لابن مفلح (ج3 ص216)، و«الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» للمرداوي (ج2 ص441)، و«منار السبيل في شرح الدليل» لابن ضويان (ج1 ص155)، و«حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع» لابن القاسم (ج2 ص523).

([23]) أي: خلافا لأبي حنيفة، ومالك.

([24]) أي: خلافا لأبي حنيفة، ومالك، والشافعي.

([25]) أي: ابن تيمية.


جميع الحقوق محفوظة لموقع الشبكة الأثرية
Powered By Emcan